الغزالي
27
جواهر القرآن ودرره
الصواب ، إذ يقرب كل مجتهد من أن يقال له مصيب ، أو يقال إن له أجرا واحدا إن أخطأ ولصاحبه أجران ، ولكن لما عظم فيه الجاه والحشمة ، توفّرت الدواعي على الإفراط في تفريعه وتشعيبه ، وقد ضيعنا شطرا صالحا من العمر في تصنيف الخلاف منه ، وصرفنا قدرا صالحا منه إلى تصانيف المذهب وترتيبه إلى « بسيط » و « وسيط » و « وجيز » مع إيغال وإفراط في التّشعيب والتفريع ، وفي القدر الذي أودعناه كتاب « خلاصة المختصر » كفاية ، وهو تصنيف رابع وهو أصغر التصانيف ، ولقد كان الأولون يفتون في المسائل وما على حفظهم أكثر منه ، وكانوا يوفّقون للإصابة أو يتوقفون ويقولون لا ندري ، ولا يستغرقون جملة العمر فيه ، بل يشتغلون بالمهم ويحيلون ذلك على غيرهم ، فهذا وجه انشعاب الفقه من القرآن ، ويتولّد من بين الفقه والقرآن والحديث علم يسمى أصول الفقه ، ويرجع إلى ضبط قوانين الاستدلال بالآيات والأخبار على أحكام الشريعة . ثم لا يخفى عليك أن رتبة القصّاص والوعّاظ دون رتبة الفقهاء والمتكلمين ما داموا يقتصرون على مجرد القصص وما يقرب منها ، ودرجة الفقيه والمتكلم متقاربة ، لكن الحاجة إلى الفقيه أعم ، وإلى المتكلم أشدّ وأشدّ ، ويحتاج إلى كليهما لمصالح الدنيا ، أما الفقيه فلحفظ أحكام الاختصاصات بالمآكل والمناكح ؛ وأما المتكلم فلدفع ضرر المبتدعة بالمحاجّة والمجادلة ، كيلا يستطير شررهم ولا يعمّ ضررهم ، أما نسبتهم إلى الطريق والمقصد فنسبة الفقهاء كنسبة عمّار الرّباطات والمصالح في طريق مكة إلى الحج ، ونسبة المتكلمين كنسبة